فخر الدين الرازي
113
تفسير الرازي
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس " وقال الغزالي فيه : إن ذلك لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر ، والحشر مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه ، فجعله قلب القرآن لذلك ، واستحسنه فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى سمعته يترحم عليه بسبب هذا الكلام . ويمكن أن يقال بأن هذه السورة ليس فيها إلا تقرير لأصول الثلاثة بأقوى البراهين فابتداؤها بيان الرسالة بقوله : * ( إنك لمن المرسلين ) * ( يس : 3 ) ودليلها ما قدمه عليها بقوله : * ( والقرآن الحكيم ) * ( يس : 2 ) وما أخره عنها بقوله : * ( لتنذر قوماً ) * ( يس : 6 ) وانتهاؤها بيان الوحدانية والحشر بقوله : * ( فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ) * إشارة إلى التوحيد ، وقوله : * ( وإليه ترجعون ) * إشارة إلى الحشر ، وليس في هذه السورة إلا هذه الأصول الثلاثة ودلائله وثوابه ، ومن حصل من القرآن هذا القدر فقد حصل نصيب قلبه وهو التصديق الذي بالجنان . وأما وظيفة اللسان التي هي القول ، فكما في قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ) * ( الأحزاب : 70 ) وفي قوله تعالى : * ( ومن أحسن قولاً ) * ( فصلت : 33 ) وقوله تعالى : * ( بالقول الثابت ) * ( إبراهيم : 27 ) * ( وألزمهم كلمة التقوى ) * ( الفتح : 26 ) * ( وإليه يصعد الكلم الطيب ) * ( فاطر : 10 ) إلى غير هذه مما في غير هذه السورة ووظيفة الأركان وهو العمل ، كما في قوله تعالى : * ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) * ( البقرة : 110 ) وقوله تعالى : * ( ولا تقربوا الزنا . . ولا تقتلوا النفس ) * ( الإسراء : 32 ، 33 ) وقوله : * ( واعملوا صالحاً ) * ( المؤمنون : 51 ) وأيضاً مما في غير هذه السورة ، فلما لم يكن فيها إلا أعمال القلب لا غير سماها قلباً ، ولهذا ورد في الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى تلقين يس لمن دنا منه الموت ، وقراءتها عند رأسه ، لأن في ذلك الوقت يكون اللسان ضعيف القوة ، والأعضاء الظاهرة ساقطة البنية ، لكن القلب يكون قد أقبل على الله ورجع عن كل ما سواه ، فيقرأ عند رأسه ما يزاد به قوة قلبه ، ويشتد تصديقه بالأصول الثلاثة وهي شفاء له وأشرار كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلمها إلا الله وروله ، وما ذكرناه ظن لانقطع به ، ونرجو الله أن يرحمنا وهو أرحم الراحمين .